عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
20
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
علمه بأنها تسبح لأن المخبر بتسبيحها هو الآمر بالاستجمار بها على لسان الشارع صلى اللّه عليه وسلم ، ففي إخفاء التسبيح حكمة بالغة ، نعم ، رأيت في تفسير الرازي أن الذي أطبق عليه العلماء أن من لم يكن حيا لم يكن قادرا متكلما وجزم بأن الجمادات تسبح بلسان الحال واللّه أعلم . ( حكاية ) : أهدي للجنيد رحمه اللّه تعالى طائر فقبله مدة ثم أرسله فقيل له في ذلك فقال إنه قال لي يا جنيد تتلذذ بمناجاة الأحباب وتسد في وجهي الباب فلما أرسله قال : إن الطيور ما دامت ذاكرة لا تقع في الشرك فإذا غفلت وقعت وأنا غفلت عن ذكره مرة واحدة فعذبني بالسجن فكيف بمن يغفل عن ذكر اللّه كثيرا ؟ يا جنيد خذ علي العهد : أن لا أعود أبدا ثم صار يتردد إلى زيارة الجنيد ويأكل من المائدة معه فلما مات الجنيد رمى بنفسه إلى الأرض فمات فدفنوه معه فرأى الجنيد بعض أصحابه في النوم فسأله عن حاله فقال : رحمني اللّه برحمتي للطائر . ( وسئل ) الشبلي رحمه اللّه تعالى عن قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا اللّه العافية » فقال : أهل البلاء هم أهل الغفلة عن ذكر اللّه تعالى . ( لطيفة ) رأيت في حقائق الحقائق أن آدم عليه السلام لما أهبط من الجنة هرب منه الطير والوحش فجاء الخطاف وجلس عنده فعاتبه اللّه تعالى فقال : يا رب رأيته وحده والوحدانية لك فجلست عنده لأجل ذلك فقيل : أيها الطائر رفعت عنك السكين فلا تصاد ولا تذبح وجعلت لك الألفة في قلوب أولاده حتى ساكنوك في بيوتهم قيل : إنه كان أبيض اللون فاسود لونه لما لمسه آدم إلا صدره . وقيل : إن آدم شكا إلى ربه الوحشة فآنسه بالخطاف وهو يحفظ قوله تعالى : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [ الحشر : 21 ] إلى آخر السورة فهو يترنم بها ويمد صوته بالعزيز الحكيم . ( فوائد : الأولى ) قال بعض المفسرين في قوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [ فاطر : 32 ] هو الذاكر بلسانه وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ [ فاطر : 32 ] هو الذاكر بقلبه وَمِنْهُمْ سابِقٌ [ فاطر : 32 ] هو الذي لا ينسى ربه ، ( قال ابن عطاء اللّه ) يحتاج قائل كلمة التوحيد إلى ثلاثة أنوار : نور الهداية ونور الكفاية ونور العناية ، فمن من اللّه تعالى عليه بنور الهداية فهو معصوم من الشرك ، ومن من عليه بنور الكفاية فهو معصوم من الكبائر والفواحش ، ومن من عليه بنور العناية فهو محفوظ من الخطرات الفاسدة والحركات التي لأهل الغفلات ، فالنور الأول للظالم والثاني للمقتصد والثالث للسابق . ( وسئل ) الواسطي رحمه اللّه تعالى عن الذكر فقال : الخروج من ميدان الغفلة إلى فضاء المشاهدة على غلبة الخوف وشدة الحب . ومن خصائص الذكر أنه جعل في مقابلته ذكر اللّه تعالى قال اللّه تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] وقال موسى عليه السّلام : يا رب أين تسكن ؟ قال : في قلب عبدي المؤمن ومعناه سكون ذكره ، وسيأتي في آخر باب المحبة نحو هذا . وقال محمد بن الحنفية رضي اللّه عنه : إن الملائكة يغضون أبصارهم عن ذاكر اللّه كما تغضون أبصاركم عن البرق .